→ العودة للرئيسية

كيف يعمل الدماغ؟ أسرار الدماغ والجهاز العصبي وكيف تتكون العادات

كيف يعمل الدماغ: مجسّم تعليمي للدماغ البشري يوضح أجزاءه من الداخل

الإجابة المختصرة: كيف يعمل الدماغ؟ يتكوّن الدماغ من نحو 86 مليار خلية عصبية تتواصل فيما بينها بإشارات كهربائية وكيميائية، وتتوزع المهام فيه على مناطق مختلفة: مناطق للغة، وأخرى للحركة والرؤية والتخطيط. ويعمل مع الحبل الشوكي والأعصاب كجهاز واحد هو الجهاز العصبي. وأهم ما يميّزه قدرته على التعلّم: فكل ما نكرره يقوّي الوصلات بين خلاياه، حتى يتحوّل مع الوقت إلى عادة نؤديها تلقائيًا دون تفكير.

لطالما كان الدماغ البشري مصدر دهشة وتساؤل: كيف نتعلّم؟ ولماذا نؤدي بعض الأفعال دون أن نفكر فيها؟ في هذا المقال نأخذكم في رحلة مبسطة لفهم كيف يعمل الدماغ والجهاز العصبي، وكيف تتكوّن العادات، وماذا يعني ذلك لكم ولأطفالكم.

كيف اكتشف العلماء وظائف أجزاء الدماغ؟

بدأت القصة في القرن التاسع عشر بملاحظة مرضى أصيبت أدمغتهم في مواضع محددة. ففي عام 1861 لاحظ الطبيب الفرنسي بول بروكا أن مريضًا يفهم ما يُقال له لكنه لا يستطيع الكلام، ووجد بعد وفاته تلفًا في منطقة محددة من الفص الجبهي الأيسر تُعرف اليوم باسم «منطقة بروكا». وبعدها بسنوات وصف الطبيب الألماني كارل فيرنيكه منطقة أخرى، إذا أصيبت يتكلم الشخص بطلاقة لكنه يجد صعوبة في فهم الكلام.

ثم ساهمت الحروب، بشكل غير مقصود، في توسيع هذه الخريطة. ففي الحرب الروسية اليابانية ثم الحرب العالمية الأولى، درس الأطباء جنودًا أصيبوا بطلقات في مؤخرة الرأس، فربطوا بين موضع الإصابة والجزء الذي فقدوا فيه الرؤية. وفي الحرب العالمية الثانية عمل عالم النفس الروسي ألكسندر لوريا مع آلاف الجنود المصابين في أدمغتهم، وأسّس بذلك جزءًا كبيرًا من علم النفس العصبي الحديث. ومن أمثلة ما لاحظه العلماء:

  • إصابة منطقة بروكا: يفهم الشخص الكلام، لكنه يجد صعوبة كبيرة في النطق وتكوين الجمل.
  • إصابة منطقة فيرنيكه: يتكلم بطلاقة، لكن كلامه قد يفتقد المعنى، ويصعب عليه فهم ما يُقال له.
  • إصابة منطقة في الجزء الخلفي السفلي من الدماغ، غالبًا في النصف الأيمن: قد تسبب صعوبة في التعرّف على الوجوه المألوفة.
  • إصابة القشرة البصرية في مؤخرة الرأس: قد تسبب فقدان جزء من مجال الرؤية رغم سلامة العينين.

ومن هذه الملاحظات، ثم من تقنيات التصوير الحديثة مثل الرنين المغناطيسي الوظيفي، رسم العلماء خريطة لوظائف الدماغ. لكنهم اكتشفوا أيضًا أن أغلب المهام تعتمد على تعاون مناطق كثيرة معًا، لا على منطقة واحدة.

ما أقسام الجهاز العصبي؟

ينقسم الجهاز العصبي إلى جهاز مركزي وجهاز طرفي، ولكل منهما دوره:

  • الجهاز العصبي المركزي: يتكوّن من الدماغ والحبل الشوكي، وهو مركز استقبال المعلومات ومعالجتها واتخاذ القرارات.
  • الجهاز العصبي الطرفي الجسدي: شبكة الأعصاب التي تتحكم في الحركات الإرادية مثل المشي والكتابة، وتنقل الإحساس من الجلد والعضلات إلى الدماغ.
  • الجهاز العصبي الذاتي (اللاإرادي): يدير ما يحدث دون أن نفكر فيه، مثل دقات القلب والهضم. ويتكوّن من الجهاز السمبثاوي الذي يجهّز الجسم لمواجهة الخطر أو التوتر، والجهاز الباراسمبثاوي الذي يعيده إلى الهدوء والراحة.

والتنفس مثال لطيف على التداخل بين الاثنين: فهو يعمل تلقائيًا طوال الوقت، لكن يمكنكم التحكم فيه بإرادتكم متى أردتم، كما تفعلون عند حبس النفس أو التنفس ببطء لتهدؤوا.

كيف يعمل الدماغ عندما نتعلّم شيئًا جديدًا؟

عاداتنا اليومية، مثل المشي وقيادة السيارة، ليست من عمل الجهاز العصبي اللاإرادي؛ فهي حركات إرادية في الأصل. الفرق هو في مقدار الانتباه الذي تحتاجه:

  • عندما نتعلّم شيئًا جديدًا نعتمد على الجزء الأمامي من الدماغ (القشرة الجبهية) الذي يركّز ويخطط ويراقب الأخطاء، لذلك نشعر بالجهد والتعب.
  • بعد التكرار تتولى مناطق عميقة في الدماغ تُعرف بالعُقد القاعدية جزءًا كبيرًا من المهمة، فتصبح تلقائية وسريعة، وتحرّر انتباهنا لأشياء أخرى.

لهذا تستطيعون اليوم قيادة السيارة وأنتم تتحدثون، بينما كنتم في البداية تركّزون في كل حركة.

متى يكتمل نمو دماغ الطفل؟

ينمو الدماغ في السنوات الأولى بسرعة مذهلة؛ إذ تشير منظمة اليونيسف إلى أن أكثر من مليون وصلة عصبية جديدة تتكوّن كل ثانية في السنوات الأولى من العمر. ويصل حجم الدماغ إلى نحو 90% من حجمه عند البالغين في سن الخامسة تقريبًا. لكن النمو لا يتوقف هنا؛ فالقشرة الجبهية المسؤولة عن التخطيط وضبط النفس واتخاذ القرارات تستمر في النضج حتى منتصف العشرينيات تقريبًا.

طفل صغير يتعلم المشي ممسكًا بيد أحد والديه

في هذه السنوات يتعلّم الطفل بسرعة كبيرة مما حوله. خذوا المشي مثالًا: يبدأ الطفل بمحاولات واعية ومتعثرة ومتكررة، ومع التدريب تصبح الحركة تلقائية فلا يفكر فيها أبدًا. والأمر نفسه يحدث مع الكلام والكتابة، ومع كثير من عاداتنا اليومية، الإيجابية منها والسلبية.

لكن تشبيه دماغ الطفل بـ«الإسفنجة» يحتاج إلى توضيح: الطفل لا يمتص كل شيء بالقدر نفسه، بل يتعلّم أكثر من التجارب المتكررة، ومن العلاقة الدافئة مع من يرعاه، ومن التفاعل اليومي معه مثل الحديث واللعب والقراءة.

كيف تتكوّن العادات في الدماغ؟

تتكوّن العادة عندما يتكرر سلوك ما في الموقف نفسه، ويتبعه شيء يجعل تكراره أكثر احتمالًا. ويمكن تبسيط ذلك في ثلاث خطوات:

  1. إشارة: موقف أو وقت أو مكان يذكّر بالسلوك، مثل الجلوس إلى المائدة.
  2. سلوك: الفعل نفسه، مثل غسل اليدين قبل الأكل.
  3. نتيجة: ما يحدث بعد السلوك، مثل الشعور بالرضا أو كلمة تشجيع، فيزيد احتمال تكراره.

ومع كل تكرار تقوى الوصلات العصبية المرتبطة بهذا السلوك حتى يصبح تلقائيًا. وهذا بالضبط ما يدرسه علم تحليل السلوك التطبيقي (ABA): كيف تؤثر الظروف التي تسبق السلوك، والنتائج التي تتبعه، في تعلّمه وتكراره.

كيف أغيّر عادة سيئة؟

أب يعلّم ابنه العزف على الجيتار في البيت

تغيير العادة ممكن في أي عمر، لكنه يحتاج إلى خطة وصبر. وهذه أهم الخطوات:

  1. لاحظوا العادة الحالية: متى تحدث؟ وأين؟ وما الذي يسبقها وما الذي يتبعها؟
  2. اختاروا سلوكًا بديلًا واضحًا: من الأسهل أن تستبدلوا عادة بأخرى من أن توقفوها دون بديل.
  3. اربطوه بالإشارة نفسها: مارسوا السلوك الجديد في الوقت أو المكان الذي كانت تظهر فيه العادة القديمة.
  4. كرّروه يوميًا: وجدت دراسة من جامعة كوليدج لندن أن العادة الجديدة احتاجت في المتوسط إلى 66 يومًا لتصبح تلقائية، مع اختلاف كبير بين شخص وآخر تراوح بين 18 و254 يومًا.
  5. كافئوا التقدّم ولا تستسلموا للزلّات: تفويت يوم واحد لا يُفسد العادة، المهم أن تعودوا إليها.

ما هي مرونة الدماغ؟

مرونة الدماغ هي قدرته على تغيير وصلاته وإعادة تنظيم نفسه استجابةً للتعلّم والتجربة. وهي تستمر طوال الحياة، وإن كانت في الطفولة أكبر. لذلك يستطيع الكبار تعلّم لغة أو مهارة جديدة أو التخلص من عادة قديمة، ويستطيع الدماغ أحيانًا تعويض جزء من الوظائف بعد الإصابة بالتدريب والتأهيل.

ماذا يعني هذا لتربية طفلكم؟

فهمكم لطريقة عمل الدماغ يساعدكم على بناء عادات أفضل لأطفالكم:

  • التكرار والروتين: الروتين اليومي الثابت يساعد دماغ الطفل على توقّع ما سيحدث، فتصبح العادات أسهل.
  • التشجيع الفوري: المديح المحدد بعد السلوك مباشرة يزيد احتمال تكراره.
  • الصبر: الأجزاء المسؤولة عن ضبط النفس ما زالت تنضج عند طفلكم، فلا تتوقعوا منه تحكّمًا يشبه تحكّم الكبار.
  • خطوة واحدة في كل مرة: ابدؤوا بعادة واحدة صغيرة بدل تغيير كل شيء معًا.

وإذا كان طفلكم يجد صعوبة واضحة ومستمرة في الانتباه أو ضبط اندفاعه، فقد تفيدكم قراءة: ما هو فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) عند الأطفال؟

أسئلة شائعة

ما الفرق بين العقل والدماغ؟

الدماغ عضو في الجسم يمكن رؤيته ودراسته، أما العقل فهو ما ينتج عن نشاط الدماغ من أفكار ومشاعر وذاكرة وقرارات. لذلك يمكن القول إن الدماغ هو الأداة، والعقل هو ما تقوم به هذه الأداة.

هل نستخدم 10% فقط من أدمغتنا؟

لا، هذه معلومة شائعة لكنها خاطئة. تُظهر صور الدماغ الحديثة أن كل مناطقه تعمل، وإن لم تعمل كلها بالقدر نفسه في اللحظة نفسها، ولا توجد منطقة «معطّلة» تنتظر أن نستخدمها.

كم يومًا يحتاج الدماغ لتكوين عادة جديدة؟

لا يوجد رقم ثابت. في دراسة جامعة كوليدج لندن كان المتوسط 66 يومًا، وتراوح بين 18 و254 يومًا حسب الشخص وصعوبة العادة. والأهم من عدد الأيام هو التكرار المنتظم في الموقف نفسه.

هل يتوقف نمو الدماغ بعد الطفولة؟

لا. يكون النمو أسرع في السنوات الأولى، وتستمر القشرة الجبهية في النضج حتى منتصف العشرينيات تقريبًا، ثم يحتفظ الدماغ بقدرته على التعلّم والتغيّر طوال الحياة.

هذا المقال للتثقيف والتوعية، ولا يُعد تشخيصًا أو بديلًا عن استشارة متخصص.

تريدون أن تساعدوا طفلكم على بناء عادات أفضل؟

تساعد د. ميادة الأهل على فهم سلوك أطفالهم وبناء روتين يومي يناسبهم. ابدؤوا مجانًا بالدورة التعريفية المسجّلة عن ADHD، أو احجزوا استشارة لمناقشة احتياجات طفلكم.

ابدؤوا الدورة المجانية   احجزوا استشارة

د. ميادة الصباح، دكتوراه علم نفس الطفولة، محلل سلوك دولي معتمد، مؤسس ABA 4 Change Academy

كتبته: د. ميادة الصباح، متخصصة في علم نفس الطفل ومحللة سلوك ومؤسِّسة ABA 4 Change.

اقرؤوا أيضًا